الأربعاء، 30 يوليو 2008

الإسلام: اتهامات من مدانين


الإسلام: اتهامات من مدانين

منذ نشأة حركة الاستشراف ومهاجمة الإسلام وسيل الاتهامات له لم تتوقف، لكنها تطورت وتصاعدت، فقد بدأت باتهامات تقليدية ومنها أن الاسلام انتشر بالسيف ووصلت إلى حد اتهامه بالمغالاة، تلك المصطلحات الجديدة التي دخلت في قواميس اللغات الحية ملتصقة ومعرفة للدين الإسلامي.

ومن مظاهر الهجوم العنيف والذي أخذ صورته العسكرية بعد أن مهدت الأرض له، هو ما صاحب الهجوم من احتضان لكل دعوة ضد الإسلام أو هجوم عليه من قبل الكتاب والمفكرين من بني جلدتنا، مثل الدكتور أبو زيد الذي حكمت المحكمة في مصر بردته أو مثل سلمان رشدي الذي أهدر دمه, فقد وجد هؤلاء الملاذ في البلاد الغربية بدواعى حرية الرأي ووجدوا أيضا الدخل المادي المرتفع والوظائف والحماية ليفرغوا لمهمتهم!! ، البعض اتهم الغرب بالنفاق والغرب يدعي حمايته للحريات، لكنني أرى الأمر على وضع مختلف، فالغرب يفعل هذا ضمن منظومته المتكاملة للهجوم على الاسلام، وأزعم أن الأمر لا هو نفاق في التعامل مع الشرق كما يظن بعض مفكرينا ولا هو حماية للحريات.كما تدعي الدول الغربية.

أعجب ما في الأمر هو أن دعوى الغرب بعنف الاسلام والتي تطورت من دعوته بانتشار الاسلام بحد السيف لم تجد ردا يناسب روح العقيدة الاسلامية، بل كانت المسألة كما أرى هى مجرد الدفاع عن الاسلام وكأنه متهم! هى محاولات ومرافعات محامين ضد دين وضعه الغرب في قفص الاتهام وهاجموه بكل الوسائل الممكنة، بعض المفكرين قالوا أن معارك الاسلام أتت دفاعية وليست هجومية، بعض المؤرخين قالوا بأن المعارك في الاسلام بناها الرسول على قاعدة أن خير للوسيلة للدفاع هى الهجوم، لم أقتنع بكل الدفاعات المقدمة من مفكرينا، وأزعم أنها وسائل دفاعية عن متهم، استخدمت الادلة التاريخية والقرانية لتدلل على نظرية غير موجودة إلا في ذهن صاحبها ابتدعها للرد على الاسلام، لكن أحدا لم يبحث في نظرية الحرب في الإسلام ليقدمها ناصعة كما أتى بها الرسول، دون محاولة دفاع أو خجل!!

شعرت من خلال بعض الكتابات بأن هناك عيبا في الاسلام يحاولون مداراته، أو هناك تأثر بالنظرية الغربية يحاولون على استحياء تبديده بنظريات هى أقرب ما تكون للدفاع منها لمحاولة الوصول لجوهر المسألة كام أتت في الإسلام، فالاسلام رائع، على المستوى النظري والعملي، لاشئ يمكننا الخجل منه أو الدفاع عنه، بكل فخر وعزة وحب نبحث في هذا المقال عن الفكر وراء نظرية الحرب في الإسلام.

لا أعتقد أن للذين يهاجمون الاسلام الحق بحكم تاريخ نشرهم لدينهم أن يهاجموا أي نشر دين أخر حتى لو كان انتشاره بالقوة كما يزعمون، فتاريخهم ملوث بالدماء وصفحاتهم مليئة بمقابر الموتى والضحايا من أجل نشرهم للمسيحية التي بدأت على يد قسطنطين في في أوائل القرن الرابع الميلادي الذي اضطهد اليهود فجدع أنوفهم ونفاهم عن أوطانهم، كما أعمل الامبراطور ثيودوسيوس السيف في اليهود والوثنيين على السواء وحطم المعابد وقتل أصحاب الديانات الوثنية واليهودية، وتبين صورة الكهف في القران الكريم صورة من صور الاضطهاد في ذلك الزمان وهى تحكي أهل الكهف الهاربين بدينهم من الاضطهاد. كما أن دولا بكاملها أرغموا على اعتناق النصرانية مثل مصر


وظل الاضطهاد والتنكيل بمن لا يعتنق الوثنية منتشرا في أوروبا فانتشرت المسيحية بالسيف والدم بين قبائل السكسون وانتشر التعذيب واستمرت المعاناة.

وبعد أن دانت أغلب أوروبا بالمسيحية وسقطت الأندلس حصل المسلمون على نصيبهم من التعذيب والتنكيل فنالت منهم محاكم التفتيش التي يقول عنها جوستاف لوبون: يستحيل علينا أن نقرأ دون أن ترتعد فرائضنا من قصص التعذيب و الاضطهاد التي قام بها المسيحيون المنتصرين على المسلمين المنهزمين ، فلقد عمدوهم عنوة، و سلموهم لدواوين التفتيش التي أحرقت منهم ما استطاعت من الجموع ، و اقترح القس بليدا قطع رؤوس كل العرب دون أي استثناء ممن لم يعتنقوا المسيحية بعد ، بما في ذلك النساء و الأطفال ، و هكذا تم قتل أو طرد و ثلاثة ملايين عربي، و كان الراهب بيلدا قد قتل في قافلة واحدة للمهاجرين قرابة مائة ألف في كمائن نصبها مع أتباعه ، و كان بيلدا قد طالب بقتل جميع العرب في أسبانيا بما فيهم المتنصرين، و حجته أن من المستحيل التفريق بين الصادقين و الكاذبين فرأى أن يقتلوا جميعاً بحد السيف ، ثم يحكم الرب بينهم في الحياة الأخرى ، فيدخل النار من لم يكن صادقاً منهم. ناهيك عن مذابح الصليبيين في بلاد الشام زمن الحروب الصليبية وخاصة مذبحة بيت المقدس عند فتحها حتى وصفها أحد الكتاب المعاصرين الذين عاصروا تلك الواقعة بأن خيول الصليبيين قد غاصت في دماء أهل المدينة من المسلمين والمسيحيين على السواء حتى ركبها!!
ولم يسلم أهل البلاد التي احتلها البرتغاليون وغيرهم خارج أوروبا من القتل والتنكيل إذا لم يتركوا دينهم ويعتنقوا المسيحية، لقد رفع قائدهم السيف في يد والإنجيل في الأخرى في الفلبين بعد نزول جيشهم بها، فتنصر العديد من أهل البلاد من المسلمين، وقاتل آخرون حتى أذاقهم المحتل سوء العذاب.

الغريب أن الأباطرة ورجال الكنيسة كانوا يأمرون ويفرحون لتلك المذابح رغم أن تعاليم المسيحية لا تأمر إلا بالتسامح؟! فمن أين تأتي تلك التعليمات إذن؟ أهي رغبات شخصية لأصحابها أم هى المسيحية نفسها؟ ومن يمكنه اتهام المسيحية بأنها دين دموي انتشر بحد السيف؟ لم نسمع عن هذا من قبل ولم نفعله أيضا، ولا حتى اتهمنا الذين يقترفون تلك الفظائع فهم أقوام متحضرون، يحرقون الآخرين ويذبحونهم من أجل توعيتهم وتعمير بلادهم ونشر الوعي والفكر والثقافة بينهم!! هكذا يقولون، وهكذا فعلوا بعد قتلهم لمليون ونصف مسلم في العراق في الحرب الصليبية الجديدة.

المسألة الأولى إذن هو أن من يتهم الإسلام بالعنف في الواقع لم يكن له أن يفعل إن كان لديه حياء بعد كل هذا التاريخ المستمر حتى الآن من الدموية والعنف والتدمير والحروب ومعاناة الشعوب مما تقترف أيديهم.

المسألة الثانية هو أننا يجب أن نتعرف على نظرية الحرب في الإسلام، وأتعجب من ذهاب المفكرين كل مذهب دفاعا عن الإسلام في تلك النقطة وكأن هناك ما يعيب، نستحي منه ونحاول تجميله أو الدفاع عنه، بينما مارسه المسلمون طوال قرون عديدة وكان مصدرا لعزهم وتمكينهم وقوتهم، فلم نسمع أو نقرأ خلال هذا التاريخ عما سمعناه من ان الحروب في الإسلام للدفاع أو أن خير وسيلة للدفاع هى الهجوم ( وهى من أفضل ما وجدناه!!) وكثير من الدفاعات الغريبة الضعيفة التي يكتبها أصحابها على استحياء بخجل في دفاع واهن عمن لا يريد دفاعا!!

الله فطر الانسان، ويعرف أن الحرب ضرورة له ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)، لذا قام بتنظيمها بشكل يليق بأهدافها وفعالياتها وحفظ كرامة الإنسان فيها غالبا ومغلوبا، وهو ما أزعم بأن أحدا لم يفعله قبل الإسلام بتلك الصورة المنظمة الرائعة التي يقول عنها البارون "دي توب": (وهذه هي مختلف القواعد الشرعية الإسلامية التي عمل لها لتخفيف وطأة الحروب من القرن السابع إلى القرن الثالث عشر للميلاد، فهي إذن أسبق بأمد طويل على الأفكار والمبادئ القانونية المماثلة والتي بدأت تشق طريقها خلال الهمجية التي استولت على الحياة الدولية الأوروبية خلال القرن الثالث عشر مما يدل على أثر القواعد الإسلامية في القانون الدولي الأوروبي.

للحرب في الإسلام تقسيمات مرتبة حسب الهدف، يجمعها ويوحدها أخلاقيات الحرب في الإسلام فأهداف الحرب في الإسلام هي:
1- حفظ أنفس المسلمين وديارهم وأرضهم
يقول النبي صلى الله عليه وسلم "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم" ، ونظر ابن عمر يوماً إلى الكعبة فقال: "ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك"، وقال النبي الكريم: إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار" فقيل: "يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟" قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والمفارق لدينه التارك للجماعة" وقال أيضا عليه الصلاة والسلام "لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا"
2- أن يكون الحكم في الأرض ما أنزل الله
(إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) سورة المائدة 44

(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) سورة المائدة 45

(وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) سورة المائدة 47

3- فتح باب الحرية للشعوب لاختيار العقيدة التي يؤمنون بها
النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل علياً لفتح حصون خيبر وجهه قائلاً: "أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدي الله رجلاً بك خير لك من أن يكون لك حمر النعم"

فحرص الإسلام على فتح البلاد ليس من أجل فرض الإسلام عليهم، بل لإعطائهم الحرية لاختيار الدين (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) سورة يونس 99

لقد فتح العرب مصر، ساعدهم المصريون في الفتح وراسلوهم قبله، رغم أن الرومان الذين كانوا يحتلون مصر في ذلك الوقت على ديانة المصريين المسيحية، لكن العدل الذي سمعه المصريون عن المسلمين دفعهم الى مراسلتهم ومساعدتهم على فتح بلادهم، ولم يدخلوا في الاسلام الا بعد سنين طويلة للغاية نعمت فيها مصر بحكم الاسلام العادل الذي وفر حرية الاديان ولم نسمع عن قصة واحدة عن فرض الاسلام بالقوة على من لا يؤمن به فيها بعد هذا

وقسمت الحرب إلى:
- حرب الدفاعية
( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين, واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين, فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم, وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين, الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما أعتدي عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) البقرة 190-194

(أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير, الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها أسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره أن الله لقوى عزيز) الحج39ـ 40

(لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون, فأن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون, وإن نكتوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر أنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون, إلا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه أن كنتم مؤمنين, قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين) التوبة: 10: 14

- الحرب الهجومية

لنصرة المظلوم حيث قال الله تعالى (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا آخر جنا من هذه القرية الظالم أهلها وأجعل لنا من لدنك وليا وأجعل لنا من لدنك نصيرا) النساء: 75

لفتح البلاد التي لا يدين حكامها بالاسلام (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف أليكم وانتم لا تظلمون) الأنفال: 60

والهدف من تلك إخضاع الأرض لله، وتوفير الحماية الكاملة والحرية لمن يرغب في اعتناق الإسلام أو البقاء على دينه

آداب الحرب في الإسلام:
يلخصها الاستاذ مروان أبو بكر فيقول: إن الحرب كما سبق أمر قدري لا محيد عنه، فكما أن السلم موجود، فكذا ضده موجود، والإسلام قد استقبل هذا القدر الكوني بمجموعة من التشريعات سبق إليها أدعياء الحضارة بمراحل، وتميز عنهم أيضاً في التزام أهله بها، ويمكن أن نوجز الحديث عن هذه الأخلاقيات في هذه النقاط:1- لا يقتل إلا المقاتل فقد نهى الإسلام عن قتل غير المقاتلين، قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) البقرة: 190، قال الشوكاني: "وقال جماعة من السلف: إن المراد بقوله: (الذين يقاتلونكم) من عدا النساء والصبيان والرهبان ونحوهم".وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ولاتقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا صغيراً ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين"وعن نافع أن عبد الله رضي الله عنه أخبره "أن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان"2- النهي عن قتل المدبر والإجهاز على الجريح، عن حصين عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "ألا لا يقتل مدبر ولا يجهز على جريح ومن أغلق بابه فهو آمن"3- النهي عن الغدر والمثلة –تشويه الجثث- كان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اغزوا باسم الله وفي سبيل الله وقاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولاتقتلوا وليدا"4- النهي عن التدمير والتخريب من غير حاجة، عن صالح بن كيسان قال: لما بعث أبو بكر رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان إلى الشام على ربع من الأرباع خرج أبو بكر رضي الله عنه معه يوصيه ويزيد راكب وأبو بكر يمشي فقال يزيد: "يا خليفة رسول الله إما أن تركب وإما أن أنزل"، فقال: "ما أنت بنازل وما أنا براكب، إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله، يا يزيد إنكم ستقدمون بلاداً تؤتون فيها بأصناف من الطعام، فسموا الله على أولها واحمدوه على آخرها، وإنكم ستجدون أقواماً قد حبسوا أنفسهم في هذه الصوامع، فاتركوهم وما حبسوا له أنفسهم، وستجدون أقواماً قد اتخذ الشيطان على رؤوسهم مقاعد يعني الشمامسة فاضربوا تلك الأعناق، ولا تقتلوا كبيراً هرما،ً ولا امرأة، ولا وليداً، ولا تخربوا عمراناً، ولا تقطعوا شجرة إلا لنفع، ولا تعقرن بهيمة إلا لنفع، ولا تحرقن نخلاً ولا تغرقنه، ولا تغدر، ولا تمثل، ولا تجبن، ولا تغلل، (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحديد: من الآية25. أستودعك الله وأقرئك السلام"5- إكرام الأسير قال الله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) الإنسان: 8، قال البيضاوي: "مسكينا ويتيماً وأسيرًا يعني أسراء الكفار فإنه صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول: أحسن إليه"
فهذه بعض مظاهر سماحة الإسلام حتى التي شملت حتى ساحات الوغى ووسعت حتى من حمل السلاح راجياً أن يطفأ نور الله، فهل ثمة مقارنة بين ما نراه من الصليبين واليهود وأشباههم اليوم في حربهم على الإسلام الموسومة تمويهاً بالحرب على الإرهاب؟.هذه هي بعض ملامح الحرب في شريعة الإسلام الغراء التي ضيقت من نطاقها، وعالجت آثارها، فهل من وجه للمقارنة بينها وبين الحرب التي يشعلها طغاة اليوم فلا تبقي ولا تذر.

وعلى هذا فان الاسلام لم يفرض الحرب للدفاع فقط، والا ظلت المدينة المنورة تدافع عن نفسها حتى اليوم، بل فرض الحرب هجوما كما فرضها دفاعا، ونحن كمسلمين نفخر بهذا فهى امة قوية عزيزة قامت لتمكن لدين الله في الأرض هجوما ودفاعا، بحروب تحترم فيها كرامة الانسان مهما كانت ديانته وتوقر فيها المرأة وتعطف على الأطفال وتبقي على الأشجار.

هل استطاع الغرب الذي يهاجم الاسلام أن يكون بهذا النبل في الأهداف والوسائل؟ قطعا لم يحدث هذا، فأهدافه هى نهب خيرات بلادنا وفرض ثقافته الدينية أو الفكرية على شعوبنا، أما وسائله فهى الاسلحة المحرمة والغير محرمة ولتبرير حملاته يقول أحيانا إنها لإنقاذنا من التخلف وتعمير بلادنا التي لم نستطع تعميرها بتخلفنا، أو لانقاذ البشرية من شرورنا النووية التي ننوي امتلاكها!! عجبا للدولة الوحيدة التي أطلقت القنبلة النووية على اليابان تقيم الحرب على العراق وإيران لشكها فى امتلاكهما أو سعيهما لامتلاك القنبلة النووية!!

الحروب في الإسلام لإخضاع كل الحكام الذين لا يحكمون بما انزل الله للجزية، او فتح بلادهم عنوة وإطلاق الحرية للعباد لاختيار دينهم بأقل عدد ممكن من الضحايا ووسائل محترمة شريفة أتمنى لو يصل الغرب لرقيها وهو يدعي الحضارة ولا نرى سوى سفك الدماء لملايين البشر لاهداف خبيثة بوسائل غير شريفة. وعجبا لهم يتهمون الاسلام بعد هذا بالمغالاة !!

الخــونـــة 5


الخــونـــة 5

في كل دور من أدوار الصراع حول القدس والممالك المجاورة لها أيام الحروب الصليبية يظهر الخونة، وكلما ظهر قائد جديد واستطاع اكتساب ارض جديدة في المعركة وجد المشروع الإسلامي مقاومة من ناحية أخرى، فالمسألة قد تصطدم بالمصالح الشخصية للخونة وكراسيهم، فقد يكونوا مشجعين ومؤيدين لمحاربة المحتل الصليبي من المنطقة، وعندما يكتشفون بأن المسألة تحتاج إلى تضحية من نوع ما قد تصلى إلى الكراسي هنا قد ينقلب منهم البعض على ماضيه ومبادئه، ويتحول إلى خائن لأمته. وسبحان من بيده القلوب يقلبها بين إصبعيه كيف يشاء.

المخلص مبتلى أيضا، فقد مات نور الدين زنكي وترك ابنه الصغير القاصر وأرسل صلاح الدين الأيوبي أقوى أمراء الزنكيين بحقه في الوصاية على ابن نور الدين والمملكة الواسعة التي تركها له أبوه. لكن حكم صلاح الدين لمصر وموت نور الدين جعل موازين الحكم تنتقل من الشام إلى مصر، والواقع أن الشام كانت قد أنهكت من طول الصراع مع الصليبيين، وهدرت الكثير من مواردها في هذا الصراع، بالإضافة إلى أن ولاءات الحكام وسرعة تبادل الأدوار وتغيرها في الشام جعلها تفقد جزءا هاما من حيويتها، انتقال زمام الأمور وثقل السلطة إلى مصر جعل الأمور تتغير، تستقر من أحسن إلى أحسن، فقد كان لمصر الكثير من الموارد الطبيعية والبشرية ولم يكن ينقصها سوى القليل من الإدارة والحنكة السياسية والإخلاص في الجد لطرد الصليبيين.

كان أمام صلاح الدين إذن الكثير من العمل فقد أثار حفيظة الشيعة بتحويله لمصر إلى المذهب السني، وأثار حفيظة الصليبيين باختطافه لمصر من بين أيديهم بعد أن كانت جيوشهم فيها وكانوا قاب قوسين أو أقل من احتلالها، بالإضافة إلى انه كان مستهدفا من الإسماعيلية الحشاشين الذين أرادوا قلته أكثر من مرة، وكانت مصر في حاجة إلى الكثير من العمل للعودة للنهوض باقتصادها وأحوالها التعليمية والفكرية مرة أخرى، لكن صلاح الدين المبتلى كان على قدر الابتلاء، فقد كان رجل عمل وعقل وحكمة وتدبير.

كان أسلوب عمل فرقة الحشاشين خيانة للأمة بالعمل على قتل عظماء قادة المقاومة الإسلامية، وكان اتصال الشيعة في مصر بالصليبيين للتأمر على صلاح الدين وعمل انقلاب ضده في الداخل ومهاجمة الصليبيون لمصر خيانة، وكانت هي أهم ما واجهه صلاح الدين في البداية فأجل مسألة فرض وصايته على ابن نور الدين زنكي حتى يتخلص من تلك الخيانات القاسية، فقبض على زعماء الشيعة المتآمرين في مصر، وهاجم الصليبيون الذين هاجموا مصر بقوة وشراسة وكبدهم خسائر فادحة وهرب من نجا منهم، ثم اتجه لتصفية الحشاشين وقتل الكثيرين منهم وعفا عن البعض.

حصل صلاح الدين على الوقت الكافي لإعادة القوة الاقتصادية والعلمية لمصر فأعاد ترتيب الأمور فيها وكان عليه أن يقوم بالخطوة التالية وهى ما حارب من اجله عماد الدين ونور الدين من قبل، أن يبني على ما قدماه هم، وهو توحيد جبهة الشام مع مصر، وهنا كانت خيانة أخرى، ولا غرو أن تكثر الخيانات فقد انتقل مركز الثقل من الشام لمصر ومعها تحرك الكثير من الأشياء هنا وهناك وتباينت المصالح، فقد تنازع الأمر على السلطة معه أمراء البيت الزنكي وهنا ظهرت خيانات أخرى، وعجبا فإنها كانت من البيت الزنكي، ان للكراسي لحلاوة قد تسلب العقول رزانتها وحكمتها، فقد تحالف أمير حلب وأمير الموصل من البيت الزنكي مع الصليبيين والحشاشيين للقضاء على صلاح الدين حفاظا على كراسيهم، إن للمناصب والكراسي ثمن فادح تدفعه الشعوب في غالب الأوقات، لكن الخونة أيضا يدفعون المزيد في الدنيا والآخرة.

لكن صلاح الدين كان من الذكاء والحكمة والقوة بحيث واجه كل التحديات في سبيل نجاح مشروعه، فقد حارب الزنكيين وانتصر عليهم وأرسل للخليفة يطلب إقراره على لقبه الجديد ملك مصر والشام فوافق له الخليفة على هذا، لكن غازي ملك الموصل مارس الخيانة وتحالف مع الصليبيين واتفقوا على مهاجمة صلاح الدين مرة أخرى بضراوة للقضاء عليه، لكن صلاح الدين انتصر عليهم انتصارا قاصما لأحلام الخيانة، وبعد صراع استمر أكثر من ست سنوات استطاع ضم الشام لمصر لتوحيد الجبهتين وبداية عصر جديد لطرد الصليبيين من المنطقة بعد أن تم القضاء على الخونة وهو أكثر ما أعاق ظهور هذا العصر.

الخــونـــة 4

الخــونـــة 4

أيام السكون قد ينخدع الكثيرون في القادة، حدث هذا من قبل ويحدث الان ايضا،وعندما يحتدم الصراع ما بين الفريقين إلى فريقين متحاربين تظهر الحقائق، وينحاز الخونة إلى فريقهم الطبيعي، إلى أعداء الأمة، كم يمكثون فوق الكراسي مطمئنين، لكنهم يوما ما تظهر حقائقهم عندما يكون الفريقين تحت ضوء الشمس، فريق في الجنة وفريق في السعير، تختف الاقنعة، وتسقط أوراق التوت التي بها يختبئون، وتتضح الرؤية، فلا يعود بمقدور الحكام المخادعين بالتظاهر بأنهم يعملون لصالح أمتهم.

عرف حكام دمشق أيام عماد الدين زنكي بموالاتها للصليبيين، ووقوفها أمام مد المشروع الإسلامي لتوحيد الإمارات الإسلامية لحرب الصليبيين، وهكذا استمر الحال بعد عماد الدين زنكي، الذي خلفه نور الدين زنكي في مشروع الوحدة وتطهير البلاد الإسلامية في فلسطين من الصليبيين، استمرت دمشق على حالها من الخيانة، وكان لابد من تخليصها من حكامها المتآمرين.

حاول عماد الدين زنكي أكثر من مرة الاستيلاء على دمشق فلم يستطع، واستمرت المحاولات فى عهد خلفه نور الدين زنكي، الذي رأى أن استخدام الحيلة أنفع مع النظام الخائن فيها، وخاصة بعد وفاة أنز المتصرف القوي في شئونها من قبل الحكام الذين وضعوا كل شئ بين يديه وأظهر القوة والمنعة ضد المشروع الإسلامي لصالح الصليبيين.

فأوقع نور الدين بين أتابك دمشق نور الدين وبين قادته، كما حاصرها ومنع تزودها بالمؤن لاحداث مجاعة بها، واتصل سرا ببعض رجالها المخلصين، فالخير في تلك الأمة لا ينقطع لحديث النبي الكريم، وقدكانت حالة الخيانة التي عليها دمشق تؤرق الكثير من القادة والأغلبية من الشعب الذين كانت تتوق أنفسهم للانضمام للمشروع الاسلامي الكبير تحت قيادة نور الدين للجهاد ضد الصليبيين، وكان اتصال نور الدين بهم سرا فرصة عظيمة لم تحدث من قبل فاستغلوها واظهروا الاخلاص في اسقاط مدينتهم في يد نور الدين، حتى ما ان ضعفت المدينة وانتشرت بها المجاعة والسخط على الخونة المتأمرين على أمتهم جهز نور الدين جيشا ودخلها في 549 هــ.

يقول صاحب الكامل في التاريخ: في هذه السنة، في صفر، ملك نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر، مدينة دمشق ، وأخذها من صاحبها مجير الدين أنز بن محمد بن بوري بن طغدكين أتابك ، وكان سبب حرصه على ملكها، أن الفرنج لما ملكوا، في العام الماضي ، مدينة عسقلان ، لم يكن لنور الدين طريق إلى إزعاجهم عنها، لاعتراض دمشق بينه وبين عسقلان ، فلما ملك الفرنج عسقلان ، طمعوا في دمشق حتى أنهم استعرضوا كل من بها من مملوك ، وجارية من النصارى ، فمن أراد المقام بها تركوه ، ومن أراد العود إلى وطنه أخذوه قهراً شاء صاحبه أم أبى، وكان لهم على أهلها كل سنة قطيعة يأخذونها ينهم ، فكان رسلهم يدخلون البلد ، ويأخذونها منهم ، فلما رأى نور الدين ذلك ، خاف أن يملكها الفرنج ، فلا يبقى حينئذ للمسلمين بالشام مقام ، فأعمل الحيلة في أخذها، حيث علم أنها لا تملك قوة، لأن صاحبها متى رأى غلبة ممن يقصده ، راسل الفرنج ، واستعان بهم لئلا يملكها من يقوى بها على قتالهم ، فراسل مجير الدين صاحبها، واستماله ، وواصله بالهدايا ، وأظهر له المودة حتى وثق إليه ، فكان نور الدين يقول له قي بقض الأوقات : إن فلانا قد كاتبني في تسليم دمشق ، يعني بعض أمراء مجير الدين ، فكان يبعد الذي قيل عنه ، ويأخذ أقطاعه ، فلما لم يبق عنده من الأمراء أحداً ، قدم أميراً يقال له عطاء بن حفاظ السلمي ، الخادم ، وكان شهماً شجاعاً، وفوض إليه أمر دولته ، فكان نور الدين لا يتمكن معه من أخذ دمشق ، فقبض عليه مجير الدين ، وقتله ، فسار نور الدين حينئذ إلى دمشق ، وكان قد كاتب من بها من الأحداث ، واستمالهم فوعدوه بالتسليم إليه ، فلما حضر نور الدين البلد، أرسل مجير الدين إلى الفرنج ، يبذل لهم الأموال وتسليم قلعة بعلبك إليهم لينجدوه ، ويرحلوا نور الدين عنه ، فشرعوا في جمع فارسهم وراجلهم ليرحلوا نور الدين عن البلد، فإلى أن اجتمع لهم ما يريدون ، تسلم نور الدين البلد، فعادوا بخفي حُنَيْن .

هذا درس للخونة اذن، بأنه مهما طال فترة حكمهم فان الشعب ان لم يكن راضيا وسنحت الفرصة للاتصال بقوى مخلصة فإنهم سريعا ما ينضمون لراية الدفاع عن الأمة وعن بلاد الإسلام وعن ديارها. التاريخ قد يتوقف قليلا لكنه يعود فيتحرك للأمام.

وهكذا تكونت قوتان عظميين بعد سقوط دمشق في يد نور الدين زنكي في مواجهة الصليبيين في الغرب، لكنه نشأت منطقة فراغ في الجنوب وهى مصر بعد سقوط الحضارة الفاطمية ووجود فراغ قوى في مصر، لذا فقد أصبح الصراع محموما للحصول على مصر ما بين الصليبيين ونور الدين زنكي، وهذا المشروع الذي ساهم فيه عماد الدين زنكي ثم نور الدين زنكي أكمله صلاح الدين الأيوبي فيما بعد باستيلائه على مصر وتشكلت قوى عظمى تناهض المشروع الأوروبي الصليبي في فلسطين.

الدرس الهام ها هنا، أن المشروع لم يكتمل لإسقاط الصليبيين إلا بعد إسقاط الخونة في الداخل أولا، وعندما يسقط الخونة يصبح تحقيق النصر على الأعداء أسهل، فهؤلاء الخونة في داخل بلادنا هم اشد خطرا علينا من الأعداء في الخارج وهم خنجر في ظهر الأمة، لا تستطيع النهوض ولا الانتصار إلا بعد انتزاعه، وبقوة ثم علاج أثار الجرح الذي أحدثوه.

الخــونـــة 3

الخــونـــة 3

التاريخ يكتب عن الخونة، وعن الأبطال أيضا، لكن ذاكرة الناس لا تتسع إلا للأبطال، أما الخونة فمع الوقت ننساهم، وتذهب ذكراهم مع الأيام، ولولا ما نستفيده من دروس الخيانة ما ذكرهم أحد، ولا كتبت عنهم أيضا، فإن ذكرهم بغيض على النفس، لكن فيه دروسا للخونة الموجودين على الكراسي الأن ليعرفون كيف ستذكرهم الأجيال القادمة، ودروس أخرى نستفيد منها أيضا.

معين الدين أنز أحد الخونة، ظهر في فترة بدايات وجود أبطال التحرير المسلمين أثناء الحروب الصليبية، فقاومهم، وقاوم مشروع الوحدة الإسلامية، كما ناصر الصليبيين، وكان حجر عثرة ضد مشروع طرد الصليبيين من المنطقة.

ظهرت مواهب معين الدين أنز مبكرا في مقاومة جيش التوحيد بقيادة زنكي ففي سنة 529هــ بينما لم يكن لمعين الدولة أية سلطة أو ذكر في التاريخ، اتفق عماد الدين زنكي بطل التحرير على أن يتسلم مدينة دمشق من حاكمها شمس الملوك، وذلك في إطار جهود زنكي لتوحيد جبهة البلاد الإسلامية في مواجهة الصليبيين، لكن شمس الدين مات قبل أن يسلم دمشق لزنكي، ورفض شهاب الدين خليفة شمس الدين تسليم دمشق فقرر زنكي إعلان الحرب على دمشق للاستيلاء عليها بالقوة، وهنا ظهرت بطولة معين الدين مبكرا كقائد من قوات شهاب الدين المناهضة لوحدة المسلمين تحت راية واحدة للوقوف في وجه الصليبيين، وربما كانت بطولته المبكرة تلك هى ما أهلته ليكون زعيم حزب الخونة في ذلك العصر والمكان. أبدى معين الدين بطولة فائقة اذن ضد جيش عماد الدين زنكي، وأظهر معرفة كبيرة بأمور الحرب والقتال ومقاومة الحصار وهو ما أهله لعلو شأنه والوصول إلى مراتب الحكم في تلك المدينة وفي غيرها. ولم يستطع زنكي فتح المدينة لوصول أمر من الخليفة المسترشد بالله يأمره بهذا.

بعد تلك الواقعة بعام، وفي سنة 530هــ ، ونظرا لإلحاح زنكي في ضم حمص وكثرة حصاره لها والإغارة عليها فقد قرر حكامها أولاد الأمير خير خان بن قراجا تسليمها لوالي دمشق شهاب الدين، على أن يمنحهم تدمر بدلا منها، فوافق شهاب الدين، ولم يجد أفضل من معين الدين لكي يوليه عليها نظرا لما أظهره من شجاعة وقوة ومعرفة أثناء حربه مع زنكي في دمشق. وكاتب شهاب الدين زنكي في الصلح، وجرى الصلح بينهما واستقرت الأمور في حمص لمعين الدين أنز وأصبح لديه الوقت لاكتساب مزيد من القوة والتنظيم داخل حمص المدينة التي أصبح حاكما عليها لأول مرة وليكتسب الخبرة في شئون الحكم.

وللمرة الثانية يجري القتال بين الطرفين، زنكي ومعين الدين، فقد حاول زنكي الحصول على حمص لضمها لجبهة التحرير الإسلامية، وليشكل قوة كبرى من المدن الإسلامية في مواجهة الصليبيين، ورغم أنه حاول مع معين الدين أنز بالوعد مرة و بالوعيد مرة أخرى، إلا أنه لم يستطع نتيجة مقاومة معين الدين، ومرة أخرى يظهر أنز القوة في مواجهة مد جيش التحرير الإسلامي ويظل حجر عثرة في سبيل تقدمه وتوحده.

وأخيرا جاءت الفرصة الكبرى التي كان يتمناها معين الدين أنز، فقد مات شهاب الدين حاكم حمص ودمشق، اغتيل من أقرب المقربين له، فكتب معين الدين لأخيه حاكم بعلبك يخبره فيه ما حدث ويطلب منه الحضور فحضر، وزجه من أمه وأعطاه تفويضا مطلقا في التصرف في أمر دولته بكاملها، ليصبح هو حاكما شرفيا، وليكون الأمر بكامله بيد معين الدين، وبهذا تشكلت جبهة كبيرة يقودها معين الدين أنز ضد جبهة التحرير الإسلامي التي يقودها زنكي، فوقف ضد المشروع الإسلامي تماما كما يقف مبارك الآن، بل وفعل ما فعله مبارك أيضا من التحالف مع الصليبيين ضد المسلمين وكأنه للخيانة خط واحد يسير فيه كل الخونة، الفارق الذي بينه وبين مبارك أن أنز أحسن السيرة في الرعية، وسير شئون البلاد بشكل جيد، وهو ما يجعله يتفوق على مبارك في السيرة وحسن الإدارة، وكلاهما خائن.

حاول زنكي مرة أخرى أن يحصل على دمشق، بأن يغري أنز أن يسلم له دمشق ويعطيه في مقابلها جزيل العطاء، لكن أنز رفض، فاتجه زنكي إلى بعلبك وقاتلها قتالا شرس، واستولى عليها بالقوة من أنز، ولم يتبقى في يد أنز إلا حمص ودمشق، الغريب أن أنز رغم إرسال قواته للاستغاثة وطلب المدد من أنز لم يرسل لهم أنز أية قوات أو معونات لمساعدتهم؟ فهل التخلي عن الأعوان والمساعدين من صفات الخونة؟ أظن هذا، فقد ركز أنز قواته لحماية مدينته ولم يشأ أن يشتت قواته فتسقط كل مدنه، واثر التضحية بأحدها على أن يظل قويا هو في مركزه، وسقطت بعلبك وشكلت أحدى مدن المقاومة الإسلامية ضد الصليبيين.

وفي سنة 534 هــ، قرر زنكي الحصول على دمشق، فقد كانت بوابة المواجهة مع الصليبيين وبقائها فى يد أنز الممالئ للصليبيين يشتت الكثير من جهوده في محاربتهم، جهز زنكي جيشه لحصار دمشق، ودخل معهم في مناوشات انتصر فيها جيش زنكي انتصارا مبشرا بالنصر، فخاف أنز من سقوط مدينته في يد زنكي، وهنا حدثت الطامة، فقد أرسل أنز للصليبيين يستعين بهم في قتاله ضد زنكي، وكما نصح مبارك للأمريكان فى حربهم للعراق وافغانستان فقد نصح أنز للصليبيين وخوفهم في مراسلاته بأن استيلاء زنكي على دمشق لا يجعل لهم قرارا ولا موطنا فى مدنهم، فهم ان لم ينصروه ضد زنكي سقطوا معه، وكان أنز من الخيانة أيضا بأن يعقد معهم حلفا للعمل والتحرك والحرب ضد زنكي، ووعدهم بأنه إن تخلص من زنكي سار بجنده إلى بانياس فأسقطها ومنحها للصليبيين هدية لهم على نصره إياه.

وهكذا تتشكل الخيانة، ففي البداية، وقف ضد تيار التحرير الاسلامي، وعندما سقطت بعلبك ترك رجالها يواجهون زنكي ولم يرسل لمساعدتهم رغم أنهم من رجاله المخلصين الذين قاوموا زنكي بأوامره وتركهم لمصيرهم بعد تورطهم في الحرب، الآن وبعد أن حوصر في مدينته ظهرت الخيانة واضحة قاتمة بوجه كالح وعيون قاسية، فكلما تورط الخائن كلما تساقطت ألأوراق، وكلما أصبح محيطه الذي يتولى أمره فى خطر أكبر، وهكذا تورط الشعب المسلم فى دمشق في خيانات أنز في تحالف سئ مع الصليبيين ضد زنكي وجيشه، إلا أن زنكي عندما علم بالأمر تحرك لقتال الصليبيين قبل قدومهم والتحامهم مع قوات أنز، أثر الصليبيون السكون وعدم التحرك خوفا من قوة زنكي.

بعد تحرك زنكي عن الصليبيين كانت الفرصة مواتية لأنز كي ينغمس أكثر في خيانته مع الصليبيين، فهاجم بانياس التي كانت ضمن المدن التي يحكمها زنكي، وذلك بالاتفاق ومساعدة الصليبيين، وحاصرها وضيق عليها ولما سقطت سلمها للصليبيين هدية لهم على مناصرته إياه، وهكذا أصبح المشروع الصليبي يجد من يناصره بقوة السلاح ويقف في وجه المشروع التحرري بقيادة زنكي الذي هاجم دمشق مرة أخرى لتحريرها من هذا الخائن، لكنه مرة أخرى لم يستطع أن يسقطها.

استقر الحكم لأنز إذن بمساعدة الصليبيين، فهل يستمر حكمه رغم الدعم القوى من المشروع الصليبي الذي تقف خلفه كل دول أرويا؟ التاريخ يعلمنا أنه لا، {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (109) سورة التوبة، فقد حضرت الحملة الصليبية الثانية بقيادة ملوك ألمانيا وفرنسا، جاءت الحملة لتحرير الرها التي سقطت في أيدي المسلمين، وأحدث سقوطها دويا هائلا في أرويا، كان من المتوقع أن يكافئوا هذا الحليف الوحيد لهم في المنطقة، لكن العكس حدث، فقد استخفوا به وخافوا من مواجهة زنكي {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} (65) سورة الأنفال، وهكذا كانت نقطة الضعف المتاحة للمشروع الصليبي هو حليفهم الذي فضلوا إسقاطه وضم ممتلكاته بدلا من الاصطدام مع مشروع قوي قد يخسرون في الرهان ضده.

اضطر أنز الذي يقول عنه صاحب الكامل (وكان معين الدين عاقلَا عادلاً خَثراً حسن السيرة ، فجمع العساكر، وحفظ البلد) اضطر أن يخاطب زنكي ويطلب منه المساعده، وهو الذي طالما وقف ضد مشروعه في توحيد الصف الاسلامي للوقوف في وجه الصليبيين، سقط أنز في الاختبار اذن، ووقف زنكي داعما لأنز كي لا تسقط دمشق في يد الصليبيين فأنذرهم بالحرب ضدهم ان هم لم يكفوا يدهم عن دمشق فانسحبوا!!!

ومات معين الدين أنز سنة 544هــ تاركا كل ما جمعه من ملك ومال ليقابل ربه في انتظار يوم الحساب، ومنذ ذلك التاريخ لم يعد أنز للدنيا ولا للملك، ولا أظنه يعود فقد ذهب ذهابا سنذهبه نحن أيضا، خالدا فيه أبدا لا عودة منه، فهل تساوي الدنيا بما فيه ان نضحى من أجلها بهذه الرحلة الأبدية، البعض كأنز ومبارك يقولون نعم، وكلنا نقول لا.

وبانياس التي استولى عليها أنز من المسلمين وسلمها للصليبيين استردها نور الدين زنكي خليفة عماد الدين، وكان من بين جيشه ابن معين الدين أنز فقال له نور الدين: للمسلمين بعد الفتح فرحة واحدة ولك فرحتان ، فقال : كيف ذاك ، قال : لأن اليوم ، برد الله جلد والدك مِنْ نار جهنم، وقانا الله من الخيانة ومن نار جهنم.
وجه الشبه بين مبارك وبينه، أن كلاهما خائن، لكن أنز كان عاقلا، عادلا، حسن السيرة والتدبير في المدن التي يحكمها، أما مبارك فلا، فقد جمع لخيانته سوء السيرة و الإدارة، والشهرة بين الناس بالسرقة والتلاعب بأقوات الشعب. وهذا هو الفارق بين خائن أيام عز فيه الإسلام ودولته، وخائن في أيام انهيار الحضارة الإسلامية.


الخــونـــة 2


الخــونـــة 2

هل لديك ذاكرة بعد أم انمحت ذاكرتك؟ لا أظن أنها لديك بعد، فقد سلبت منك، ومنى، ومن آخرين، الذاكرة التي أقصدها هى معرفتك لتاريخ أمتك، فلا أظننا نعرف، لأننا لم نتعلم أن نقرأ تاريخنا العظيم فنتعلم منه، لقد سطر العرب تاريخا مشرفا عظيما، لو عرفناه لعرفنا قدرنا ولأدركنا كم هى عظيمة تلك الأمة وكم هم عظماء هؤلاء الأجداد، بئس الأحفاد لنعم الأجداد لو تعلمون.

ومن الخونة نتعلم، ففي صقلية التي كانت إسلامية، رحم الله أيام مجدنا!! _ كانت صقلية تقع تحت حكم الفاطميون الذين دام ملكهم حوالي مائتين وسبعين عاما، عدة عوامل بدأت في إضعاف الحكم الإسلامي فيها وإدخالها في قبضة النورمانديين وأولها الخيانة، ومنها أيضا الفرقة بين قلوب المسلمين داخل الجزيرة

النورمانديون قبائل وثنية دخلت في المسيحية واستغلها البابا والقوي الاخرى والقوى المتمردة الأخرى في باري، وفرضت نفسها ووجودها وأصبحت طرفا هاما في معادلة الصراع الأوربي الإسلامي في ذلك الوقت. دخول النورمانديين وهى قوة فتية لم تكن لتغير الكثير من الواقع لولا العوامل التالية:

- تعرض الدولة الفاطمية للضعف
- الفرقة بين المسلمين والقوى الإسلامية داخل جزيرة صقلية
- الخيانة التي حدثت
كان شرق البحر المتوسط في ذلك الوقت خاصة في الجانب الشرقي منه يتمتع بالحكم الإسلامي تماما، ولم تكن هناك قوى أخرى تستطيع ازاحة المسلمين منه سواء كانت الإمبراطورية الأوربية الشرقية أو الغربية

بعد موت الأمير أبي الفتح يوسف أمير صقلية من الأسرة الكلبية الحاكمة لصقلية تابعة للفاطميين في مصر حدث نزاع علي الحكم والكرسي!! وهنا تبدأ المشاكل، فذا كان المثل الفرنسي يقول ابحث عن المرأة (فهي وراء كل شئ) فهنا في السياسة والتاريخ نقول ابحث عن الكرسي فهو وراء كل مصيبة تحدث أو نهضة، والموعد كان في تلك المرة تلك المرة مع مصيبة عظمى للخلافة الفاطمية والحضارة الإسلامية، وكان النزاع على الكرسي هناك قابعا وراء تلك المصيبة.

قامت الفتن الداخلية في الجزيرة بين الطامعين على الكرسي، فأرسل الصقليون في طلب مساعدة المعز بن باديس لإنهاء تلك الفتنة وإقرار الأمور، وبالفعل أرسل المعز جيشا، لكنه لم يستطع فعل شئ يذكر لهم، فاذا اختلفت القلوب وكانت الأطماع تحكمها لا يمكن اقرار الأمور، هكذا تعلمنا من لعبة الكراسي والمصالح خلال تاريخنا الإسلامي، وعد جيش المعز وليته ما فعل، فقد زاد الصراع بين الطامعين وتفتت الجزيرة بين حكام يملك كل منهم جزءا صغيرا في الجزيرة، وتحولوا إلى ما هو أبعد، مرحلة الصراع بين تلك الكيانات المفتتة.
وكما حدث في الأندلس حيث طمع عبد الرحمن شنجول في المرسي وفتت الأندلس، حدث في صقلية، فقد طمع احد الثائرين في الحكم واسمه محمد بن الثمنة واستولى على سرقوسة وتلقب القادر بالله، ثم زادت أطماعه في المدن الأخرى، لكنه هزم في إحدى الحروب بينه وبين أحد أمراء الجزيرة، وهنا كانت الخيانة، وحدثت المصيبة العظمى التي ضيعت صقلية من حكم المسلمين، فقد استنجد محمد بن الثمنة بالنورمانديين الأقوياء الذين كان حكمهم وأراضيهم تقع بجوار أراضي المسلمين، وكانوا يخشون على أنفسهم منهم، لكن هدية غير متوقعة جاءتهم من بلاد صقلية من محمد بن الثمنة جعلت المسألة بالنسبة لهم أسهل، وأطماعهم في أراضي المسلمين أكبر.

فحشدوا جيوشهم، وجهز محمد بن الثمنة جيشه لمساعدتهم ظانا أنهم سيقرون حكمه ويخرجون، فاستولوا على ميناء مسينا ومات الخائن بعد أن عجز وهم معه عن فتح بالرمو، فأرسل المعز بن باديس جيسا لمساعدة أهالي الجزيرة، وكانت الدولة الفاطمية في مرحلة ضعف فتركت الجزيرة لقدرها، لكن صراعا أخر كان يدور بين المستنصر في مصر وبن باديس في هذا الوقت أثر على الجزيرة، اذ أرسل المستنصر قبائل الهلاليين للقضاء على بن باديس لخروجه على طاعته، وكان ابن باديس قد اخرج جيشا كبيرا لانقاذ صقلية من النورمانديين وهو ما أضعف قوته أمام تلك الفبائل الهلالية التي عاثت في بلادعه فسادا وقضت عليه مما جعل تخليص صقلية من أيدي النورمانديين صعب المنال، وكانت الكارثة اأكبر تنتظر ذلك الجيش الذي أرسله ابن باديس لانقاذ الجزيرة اذ غرقت أكثر مراكبه. مات الخائن ولم يحصل على أي شئ, وظلت جيوش النورمانديين طامعة في اسقاط حكم المسلمين من الجزيرة وانهاء حكم المصريين والخلافة الفاطمية منها، وهو حلم كان بعيد المنال بالنسبة لهم وتحولت خشيتهم من المسلمين إلى جرأة عليهم فهاجموهم بشدة.

حاول خلفاء ابن باديس إنقاذ الجزيرة أيضا فأرسلا جيشا لها ولكن انقسام أهلها حال دون التفاف أهل الجزيرة حول الجيش، فكل منهم خاف على مدينته التي يحكمها والكرسي الذي يجلس عليه، لعن الله محبي الكراسي من أهل الفساد، فانهزم الجيش أمام النورمانديين، وذهبت أمال أهل المدينة في انقاذ جزيرتهم سدى بعد أن استدعى الخائن محمد بن الثمنة النورمانديين، وبعد أن رفض حكام المدن الاسلامية التوحد خلف جيش واحد لانقاذ الجزيرة خوفا على أطماعهم وكراسيهم من هذا الجيش.

وانفتحت شهية النورمانديين فاستدعوا جيشا من بيزا لمساعدتهم ودخلوا الخالصة وسقطت بالرمو وحولوا مسجدها إلى كنيسة ثم استولوا على باقي الجزية خلال عشرين عاما من هذا الفتح، على أن فتحهم للجزيرة جعل شهيتهم مفتوحة وجاءتهم أكبر على المسلمين فهاجموا مدنا اسلامية أفريقية أخرى وقتلوا أعدادا كبيرة من المسلمين وحرقوا بلادهم ونهبوها، واعتبرت حملتهم تلك على مدينة المهدية مقدمة للحروب الصليبية

وهكذا تسبب الخائن محمد بن الثمنة في تلك المصائب العظمى ومات ليقابل ربه بخيانته ولم ينل ما يريد أيضا!!

الخــونـــة 1


الخــونـــة 1

كثيرا ما نسمع كلمة "أن التاريخ لن يرحمهم"، وتظل تلك اللعنة وعدم الرحمة مطوية في كتب التاريخ للأكاديميين، لا يطلع عليها أحد ولا يعرفها عامة الناس، وفي العصور التي تنهار فيها الدول كما هو الآن ينهار العلم وخاصة الأوجه النافعة للأمة منه، وكما نرى الآن فقد تم تغييب التاريخ كأحد أهم مقومات نهضة الأمة، لكي لا تنشط الذاكرة وتعرف الأمة ماضيها الرائع فيستثيرها الحماسة لإعادة الأمجاد.

في تلك الفترات التي تنهار فيها الأمم تكثر الخيانات، نحن نعرف بعضها، الكثير يظل في طى الكتمان، لكن الوقت يكشف بعضه ويموت البعض فلا يعرفه أحد، فماذا عن الخونة في الماضي؟ هل أثرت خياناتهم في الأمة، وماذا عن مصيرهم ونتائج خياناتهم؟

من يكتبون عن الماضي و التاريخ يمجدون الأبطال، لا أحد يكتب عن الخونة، نادرا ما حدث هذا ، وأرى أن الدروس التي نأخذها من الخونة لا تقل في أهميتها عن تلك التي نستخلصها من سير الأبطال، وأحيانا تزيد. هنا نستدعي التاريخ بلعناته التي صبها على الخونة في الماضي، ليعرف الذين يبيعون أوطانهم العظيمة ودينهم إلى أي مصير هم ذاهبون، نحن نتحدث عن الدنيا، أما المصير في الآخرة فشئ أخر، عذاب رهيب لا نهاية له إلا أن يشاء الله، فلو اطلع أهل الدنيا على قميص واحد من أهل النار لماتوا جميعهم فزعا ورعبا، ماذا لو زاد ايمان هؤلاء وتيقنوا بالمصير في الأخرة فهل يعودوا؟ ربما لو رجعوا لعادوا لما نهوا عنه، إلا قليلا.. هكذا أظن.

هل سمعت عن عبد الرحمن شنجول؟ كان والده من خيرة رجالات التاريخ الإسلامي العظيم في الأندلس وهو الملك المنصور، وكان هو من أخسها. أدى حب هذا الحاجب للكرسي وزيادة أطماعه غير الشرعية في كرسي الخلافة إلى تفجير الأندلس وتدمير حضارته الإسلامية وقتل المسلمين لبعضهم البعض.

كان الخليفة هو الحاكم الشرفي للأندلس، لكن الحاجب كان الحاكم الحقيقي له، كان أبيه وأخيه من نوعية الحكام العظماء الذين ساهموا بشكل رائع في حضارة الأندلس، حصل هو منصب الحاجب بالوراثة بناء على انجازات أقاربه الممتازة ، والواقع لقد كان عديم الموهبة، قليل المهارات، ناقص الدين والعلم، طماع، فاسدا حتى أخمص قدميه، خان بلاده بطمعه في الخلافة فدمر الأندلس تدميرا لم تستطيعه الإمارات الصليبية التي حاربت المسلمين سنينا طوالا لإخراج المسلين من البلاد أن تفعل بالأندلس ما فعله هذا الأحمق.

الطامعين إذن في كراسي الحكم في عصورنا لهم سلف سبقوهم، وكانت النتائج متشابهة إلى حد بعيد، فقد تحايل عبد الرحمن شنجول إلى الخليفة هشام المؤيد بأن يعينه خليفة له وتحايل عليه بشتى الوسائل والطرق الممكنة، وهذا يعني خروج الحكم من بني أمية، وياليت أطماعه في الحكم كانت من أجل مصلحة البلاد والسكان، بل للهوى الشخصي وللحصول على الكراسي، لعن الله الكراسي التي لا تخدم بلادها وشعوبها.
حدث له ما اراد وتنازل الخليفة له عما رغب، وشجعه هذا على مزيد من الفساد، وعند خروجه من الأندلس على رأس جيشه انتهز أهل الأندلس الفرصة وخرجوا عليه بجيش يقوده محمد بن هشام بن عبد الجبار وتخلى عنه جنده البربر (المغاربة)، وقتل شنجول عند عودته، وكان من المفترض أن تنتهي الفنتة عند هذا الحد لولا أن محمد بن هشام هذا قائد الجيش كان من نفس نوعية شنجول الفاسدة، فاستولى على الحكم بالقوة من الخليفة هشام المؤيد وهدم مدينة الزاهرة العظيمة التي بناها المنصور العظيم والد شنجول الفاسد وكانت معقل العامريين وأطلق العنان في مهاجمة البربر وهم أحد عناصر سكان الأندلس الذين ساهموا بشكل فعال في بناء حضارته الإسلامية فكان نذير شؤم بفتح صفحة ملبدة بالدماء بين العرب والبربر من سكان الأندلس. فانفجرت الأندلس في صفحة دموية عجيبة من صفحات التاريخ السوداء يتربص كل فريق بالأخر ويدمر كل فريق مدن الأخر وينهب بيوته ويتقل منه ما يستطيع حتى خربت الأندلس وأصبحت أيلة للسفوط في يد أعدائها المتربصين لهم في الإمارات الصليبية.

هدم عبد الرحمن شنجول السئ صاحب الخلق الفاسد كل ما بناه عظماء الأندلس وأبناؤه المخلصين من المسلمين من حضارة عظيمة بفساد أخلاقه، لم يضف شيئا يذكر خلال فترة وجوده في منصبه سوى الزنا والكذب والخداع والاستبداد، وبفعلته الشنعاء في طمعه في كرسي الخلافة جر الأندلس كلها إلى كارثة لم تقع بها من قبل ولم يستطع أعداؤها خلال سنوات طويلة وكفاح مرير مع المسلمين من تحقيق حتى ولو جزء منه.

الطمع في الكرسي دون أن يكون هناك ما يمكن انجازه للأمة والسكان بلاء تجرع أثار لعنته كثير من سكان العالم الإسلامي من قبل، ومازلنا حتى اليوم نتذوق مرارته ولعنته التي يصبها علينا أولئك الخونة.

والقصة فيها ثلاثة معاني رائعة يمكن استخلاصها:
أولا: أن الشعوب الإسلامية يجب أن تكون قوية في عدم استسلامها للحاكم الخائن، فقد خرج الشعب على عبد الرحمن شنجول وقتلوه
ثانيا: قد يجمعنا الغضب جميعا بصالحنا و فاسدنا ضد الحاكم الفاسد ونسلم أمورنا عند ثورتنا على الحاكم الفاسد إلى من هو أفسد، وبدل أن تنصلح الأمور بثورتنا على الحاكم الخائن الفاسد فانها تؤول إلى مزيد من الفساد
ثالثا: أن الثورة قامت على عبد الرحمن شنجول وهو على رأس جيشه للجهاد خارج حدود دولته، وهذا يعني أن الحاكم الفاسد وقتها كان يؤدي دوره في الحدود الأدنى وهى الزود عن الدولة والجهاد في سبيل الله (قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما ترك قوم الجهاد في سبي الله إلا أذلهم الله)، فما لنا اليوم لا نرى الحاكم يجاهد، وبدل أن يدافع عن بلادنا وهو الحد الأدنى المقبول لدى الشعب فإنه يسلمها بشعبها وخيراتها لأعدائها، وماذا حدث للشعب رغم أن الحدود كلها قد تم تخطيها من قبل الحاكم لا يثور!! غريب أمر زماننا بين الحاكم والمحكوم، وما أجمل قصص الخونة من أمتنا، فعلى أيديهم نتعلم!! ومنهم نشاهد ونقارن ونفهم.



كامب ديفيد: التوقيع المنفرد


كامب ديفيد: التوقيع المنفرد

مرت مصر بفترات مشابهة للفترة الحالية وخاصة أيام الحروب الصليبيبة حيث كانت أوروبا تحتل بعض المدن في فلسطين هي بيت المقدس وما حولها، ورغم التشابه الطفيف والاختلاف الكبير في أحوال الأمة إلا أن النظر لذكريات التاريخ قد يشير إلى المميزات والعيوب والمخاطر، وقد يوحي بما هو قادم في المستقبل ويرشدنا إلى ما قد وقع من صواب وخطأ

هل وقع حاكم مصر منفردا من قبل خلال فترة الحروب الصليبية على اتفاقية شبيهة بكامب ديفيد من قبل؟ وماذا كان مصير تلك الاتفاقية وتبعاتها؟ وما كان تأثيرها على الأمة؟

الواقع نعم، لم تكن كامب ديفيد هي الأولى في تاريخ مصر والأمة الإسلامية، تكررت تلك الاتفاقية من قبل في أيام الكامل، حيث كان الصليبيون يحتلون بيت المقدس وما حولها شبيه بما هو الآن إلا قليلا، إلا أن الحروب الصليبية الآن تستهدف الأمة الإسلامية في عمقها، من قبل استهدفت بيت المقدس وما حولها، يتحدث ابن الأثير عن تلك الاتفاقية التي سلم الكامل حاكم مصر بمقتضاها بيت المقدس للصليبيين بقيادة الملك فريدريك مقابل هدنة مدتها عشر سنوات لا يرسل الأروبيون خلالها أية حملات صليبية على المشرق فيقول: في هذه السنة أول ربيع الآخر تسلم الفرنج - لعنهم الله - البيت المقدس صلحاً - أعاده الله إلى الاسلام سريعا - وسبب ذلك - ما ذكرناه - سنة خمس وعشرين وستمائة من خروج الانبرور، وملك الفرنج من بلاد الفرنج داخل البحر إلى ساحل الشام ، وكانت عساكره قد سبقته ، ونزلوا بالساحل ، وأفسدوا من جاورهم من بلاد المسلمين ، ومضى اليهم ، وهم بمدينة صور طائفة من المسلمين يسكنون الجبال المجاورة لمدينة صور، واطاعوهم ، وصاروا معهم ، وقوي طمع الفرنج بموت الملك المعظَّم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب دمشق ، ولمًا وصل الأنبرور إلى الساحل نزل بمدينة عتهَا ، وكان الملك الكامل صاحب مصر قد خرج من الديار المصرية يريد الشام بعد وفاة أخيه المعظم ، وهو نازل بتل العجول يريد أن يملك دمشق من صلاح الدين داود بن المعظم ، وهو صاحبها يومئذ، وكان داود لما سمع بقصد عمه الملك الكامل له ، قد أرسل إلى عمّه الملك الأشرف صاحب البلاد الجزرية ، يستنجده ويطلب منه المساعدة على دفع عمه عنه ، فسار إلى دمشق فترددت الرسل بينه وبين أخيه الملك الكامل في الصلح ، فاصطلحا واتفقا وسار الملك الأشرف إلى الملك الكامل ، واجتمع به فلما اجتمعا تردّدت الرسل بينهما وبين الانبرور ملك الفرنج دفعات كثيرة ، فاستقرَّت القاعدة على أن يسلموا إليه البيت المقدس ومعه مواضع يسيرة من بلاده ، ويكون باقي البلاد مثل الخليل ونابلس والغور وطبرية وغير ذلك بيد المسلمين ، ولا يسلم إلى الفرنج إلا البيت المقدس ، والمواضع التي استقرَّرت معه ، وكان سور البيت المقدس خرابا قد خربه الملك المعظم ، وقد ذكرنا ذلك ، وتسلم الفرنج البيت المقدس ، واستعظم المسلمون ذلك وأكبروه ، ووجدوا له من الوهن والتألم ما لا يمكن وصفه يسر الله فتحه ،وعوده إلى المسلمين بمنه وكرمه آمين .

أي أن الكامل أضاع جهاد المسلمين منذ عدة عقود ومنذ أيام عماد الدين ثم نور الدين زنكي ثم صلاح الدين الأيوبي، الغريب في الأمر أن هذه الاتفاقية سبقها عرض من الكامل نفسه الذي عقد تلك الاتفاقية للصليبيين فعرض عليهم عندما قاموا بمهاجمة مصر بتسليم بيت المقدس ومعظم بلاد فلسطين التي استردها صلاح الدين منهم مقابل الجلاء عن مصر!! لكنهم رفضوا وقالوا لا مفاوضات إلا بعد أن نهزم المسلمين ونذلهم ونخضعهم!! لكن تلك الحملة على مصر فشلت فانهزموا ولم تعقد الاتفاقية.

فشل الكامل في اقناع كل الشعوب والحكام الاسلامية بجدوى تلك الاتفاقية كما حدث مع السادات، ونلاحظ من نص ابن الأثير دخول جماعة من المسلمين في طاعة الصليبيين منذ قدومهم على بلاد الشام، مما جعل الصليبيين يشعرون بالقوة والتمكين، وهؤلاء هم الخونة في بلادنا، يهزموننا بأكثر مما يفعل الأعداء، كما نلاحظ وجود النزاع واستمراريته بين القوى الإسلامية المتناثرة المتناحرة وهو ما يفقدنا الوحدة والقوة ويفسح المكان للقوى الخارجية على أراضينا وفي بلادنا، وبقدر ما يختلف حكامنا بقدر ما تتسع المساحة التي يحتلها الأعداء في أراضينا.

والواقع أن التجربة أثبتت في كثير من الأوقات خاصة في العصور الحديثة أن العرب ينهزمون في المفاوضات بأكثر مما يحدث في ميدان المعركة كما جاء في كتاب العقل العربي، وهذا صحيح نظرا لأن الحكام العرب لا يختارون المفاوضين بناء على حنكتهم وخبراتهم بل بناء على ولائهم وانتمائهم السياسي، كما أن العقل العربي يميل إلى الملل بأكثر مما يفعل الآخرون فلا يحتملون طول المفاوضات كما يحتمل الجندي طول المعركة.

فهل ما فعله الكامل أدى إلى تفكيك الجبهة الداخلية وتمزق وحدة وقوى المسلمين كما فعلت كامب ديفيد التي حيدت مصر من الصراع وعرت العرب والمسلمين تماما أمام الغزو الصليبي الصهيوني؟الواقع بأنه قد نقم الجميع على اتفاقية الكامل، لكنه ضمن في ذات الوقت عدم مهاجمة الصليبين للمسلمين لمدة عشرة أعوام وعدم قدوم أية حملة صليبية جديدة على بلاد المشرق، وجعلت الكامل يتفرغ لتوحيد الصف من جديد حيث كانت قوى الدولة الإسلامية التي كان صلاح الدين قد وحدها تحت قيادته قد تفتتت بعد وفاته وأراد الكامل من عقد هذه الاتفاقية أن يتفرغ لتوحيدها مرة أخرى، ورغم ذلك لم تقبلها الشعوب ولا القادة المسلمين في وقتها، واعتبرت هفوة في تاريخ الكامل الطويل في النضال ضد الصليبيين.

على عكس كامب ديفيد التي فككت الوحدة الإسلامية، التي منذ ذلك الوقت لم تعد لتلتئم مرة أخرى ورمت بالدول والأنظمة الإسلامية في أحضان أمريكا!!، لقد خرجت مصر من الصراع، و تناثرت الأمة بعد التحام وتفتتت بعد تماسك، وهذا ما لم تفعله اتفاقية الكامل التي أرادت توحيد مصر والشام في الصراع وهو ما ثبت صحته بعد ذلك من مجربات الأحداث.

سخطت عامة الشعوب الإسلامية على الكامل تسليمه بيت المقدس في مقابل هدنة مدتها عشر سنوات يمتنع فيها الصليبيون عن إرسال أية حملات جديدة على بلادنا لمدة عشر سنوات، وانتقد العلماء والخطباء الكامل في المساجد وفوق المنابر وفي الكتب، وقال الفقيه ابن الأهدل: وللكامل هفوة جرت منه عفا الله عنه وذلك أنه سلم بيت المقدس مرة إلى الإفرنج اختيارا، نعوذ بالله من سخط الله وموالاة أعداء الله!!!

ان كان تسليم بيت المقدس موالاة لأعداء الله في رأي فقهاء ذلك العصر فماذا يمكن أن نسمي ما يحدث اليوم من تسليم كامل الأوطان وخيراتها ومقدراتها وليس بيت المقدس فقط!! ترى لماذا أختلف علماء ذلك العصر عن علماؤنا الأن!! ولما اختلفت الأراء ذلك الاختلاف الواسع بين علماء ذلك العصر وعلماؤنا – أبواق السلطة – الآن؟!!

وعندما زار الملك فريدريك الطرف الثاني للمعاهدة مع الكامل لبيت المقدس بعد استئذان الملك الكامل وجده السكان يتحدث العربية! ولم يكن هذا غريبا في ذك العصر اذ كان كثير من الصيبيين يتحدثونها فقد كانت لغة العصر والحضارة في ذلك الوقت، أما السادات حينما زار أمريكا لتوقيع الاتفاقية فقد كان يتحدث الانجليزية، فقد تبدلت الأحوال، وانهارت اللغة وشتان بين الأمس بين ملك صليبي يتحدث العربية وبين اليوم حاكم مصر يتحدث الانجليزية!!

ثمة فارق كبير للغاية بين اتفاقية السلطان الكامل مع الصليبيين واتفاقية السادات مع الإسرائيليين، إذ كان البيت الأيوبي الحاكم لمصر والشام في مرحلة انقسام أحس بها الكامل، ووقع الكامل الاتفاقية لكي يتفرغ لتوحيد الإمارات الأيوبية المتناحرة في الشام تحت سلطته من جديد لكي تعود الوحدة لمصر والشام تحت قيادة واحدة. أما اتفاقية كامب ديفيد فقد تم التوقيع عليها من جانب السادات منفردا وكانت كل القوى الإسلامية في مصر والشام والجزيرة العربية والمغرب العربي موحدة، فأتت هذه الاتفاقية لتقضي على تلك الوحدة ومازلنا نعانى مرارة هذا التفكك حتى الآن.

لذا فقد كان من السهل استعادة بيت المقدس بعد انتهاء الاتفاقية بل ومناطق أخرى لم يستطع المسلمون تحريرها من أيام صلاح الدين من الصليبيين فقد استسلمت عسقلان للجيش المصري 1247م بعد الاستيلاء على بيت المقدس، على يد الصالح أيوب الذي تولى الحكم بعد وفاة الكامل.

أما اتفاقية كامب ديفيد فلم تمهد لوحدة، ولا لنصر، بل كانت خرابا مدمرا مدويا مازلنا نتجرع مرارته حتى اليوم، رمت بفلسطين في أحضان اليهود، ورمت بالعرب في أحضان أمريكا، وأخرجت مصر من قلب العرب، ومن حكم مصر بعد السادات لم يكن كمن حكم مصر بعد الكامل، إذ كان الصالح أيوب رجلا يضع الإسلام في قلبه والمسلمين كل همه، له تاريخ مشرف في الحكم، حتى وهو يصارع الموت كان يدير شئون المعركة التي تدور على أرض مصر مع الصليبيين، لكن مبارك ومن اليوم الأول قام بتسليم مصر إلى أعدائها، فباع لهم الغاز مجانا، وباع لهم كرامة مصر و المصريين بالكرسي فإسرائيل تقتل المواطنين المصريين على الحدود بدم بارد ومبارك يتفرج، وأمريكا تقتل المواطنين في قناة السويس بأسلحة محرمة دوليا ولا من مدافع عنهم، وأغرق مصر بالديون وسمح للبنك الدولي بالتدخل بشكل سافر في شئون مصر فأملى عليها ما شاء حتى خربت الديار ولم يعد المواطن يجد رغيف الخبز ليأكله، وانتهكت الشرطة كرامة المواطنين وتولى المناصب العليا الموالين فقط من رجال الشرطة والجيش فسقطت مصر في بئر من المحسوبية والفساد والخراب الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لا قرار له.

نعم تشابهت الاتفاقيات من حيث الانفراد بتوقيعها من جانب الحاكم مع القوى المعادية في فلسطين، لكن الفارق بين الأهداف والرجال كبير، فمن يقارن الكامل بالسادات؟ ومن يقارن خليفة الكامل الصالح أيوب بخليفة السادات مبارك؟ ومن يقارن أهداف الرجال في تلك الفترة الذين حملوا هم الأمة والإسلام بأهداف الرجال في الفترة الحالية الذين حملوا هم الكرسي والعرش بأي ثمن ومهما كانت النتائج.

اتفاقيتان متشابهتان من حيث المظهر دون الدخول في تفاصيل الاتفاقيات وما تحتويه!! فهذا شئ أخر، شئ مختلف تماما ومخزي للغاية لمن وقع على اتفاقية كامب ديفيد، تشابهت الاتفاقيتان أيضا من حيث ظروف وجود الأعداء في بيت المقدس وما حولها، لكن الاختلاف بين القادة والحكام جعل التشابه أعظم ما يكون اختلافا.